من الظواهر التي لفتت انتباهي مؤخرًا في السينما المصرية ظهور عدد من الأفلام الجيدة في دور العرض، تلك التي يُطلق عليها “الأفلام الإنسانية” والتي أصبح إنتاجها في الغالب مقتصرًا على المنصات الإلكترونية لعدة أسباب. لكن قبل الحديث عن ذلك، لا بد أولًا من طرح سؤال مهم: ما هي السينما الإنسانية؟
‏بالنسبة لي، السينما الإنسانية هي السينما القادرة على خلق تواصل حقيقي بين المتفرج والفيلم. وهذا التواصل ليس سهلًا على الإطلاق؛ فهو لا يفرضه نوع بعينه، وإن كان يظهر بدرجة أكبر في الأفلام الرومانسية، أو السير الذاتية، أو بعض الأفلام الكوميدية. لكن كثيرًا من صُنّاع الأنواع الأخرى قد يغفلون هذا البُعد، لانشغالهم بتركيب النوع نفسه أكثر من انشغالهم بتقديم فيلم مكتمل .

‏فعلى سبيل المثال، صناعة فيلم أكشن تتطلب مجهودًا ضخمًا، لكن التركيز على مشاهد المطاردات والتتابعات قد يجعل صانع الفيلم ينسى أن أساس كل شيء هو وجود قصة متماسكة أولًا. فالقصة هي التي تضمن وجود تواصل، ثم بعد ذلك نقرر كيف نرويها: بشكل كوميدي، أو من خلال الأكشن، أو غيره. ومن دون حكاية مكتملة، يصبح هذا التواصل في خطر حتي لو جرى تعويضه ببعض أدوات النوع.

‏ومن هنا ينطلق سؤال هذا المقال: أين تقف السينما الإنسانية اليوم؟
‏خلال الفترة الوجيزة الماضية شاهدت عددًا من الأفلام المصرية التي لفتت انتباهي بقدرتها على استعادة هذا الحس الإنساني الغائب .
‏شاهدت فيلم 6 أيام للمخرج كريم شعبان، الذي يتتبع علاقة حب بين بطلين عبر ست مراحل مختلفة من حياتهما، معتمدًا على نقل ستة أيام فقط من وجودهما معًا، لكنه يفعل ذلك بكثافة وصدق يسمحان للمشاهد بالتواصل مع مشاعرهما بسهولة.
‏كما شاهدت فيلم “وش في وش “الذي يقدّم شجارًا زوجيًا يتصاعد تدريجيًا حتى يصل إلى عقدة خانقة، في إطار يجمع بين الكوميديا والدراما دون أن يفقد صدقه أو طابعه الإنساني.
‏وأتيحت لي مشاهدة فيلم “البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو” الذي يضعنا في قلب رحلة مطاردة وهروب، لكنها رغم ذلك تسمح لنا بالتواصل مع بطلها بشكل واضح، خاصة عبر العلاقة العميقة التي تربطه بكلبه.
‏ومؤخرًا شهدت دور العرض فيلم “السادة الأفاضل” الذي يقدّم بدوره دراما عائلية في قالب كوميدي، وفيلم “وفيها إيه يعني”الذي يستعرض قصة حب تنضج بين شخصين في سن متقدم، مقدّمًا حالة وجدانية دافئة قلّ أن نراها بهذا الشكل.
‏ويُعرض الآن فيلم “ولنا في الحب خيال“، وهو فيلم موسيقي رومانسي يضيف مزيدًا من التنوع لهذا الاتجاه.
‏هذه المسحة الواسعة من الأفلام الإنسانية في السينما المصرية خلال هذا العام بدت لي غريبة ومفاجِئة بعض الشيء؛ لأننا لم نعتد على هذا النوع بهذه الكثافة وبهذه الجودة. لكن المدهش أنها أصبحت تتصدر المشهد السينمائي المصري في الفترة الأخيرة، وكأن هناك موجة جديدة تتشكل بهدوء.
‏ولكن أين اختفى هذا النوع من السينما، ولماذا في الفترة الأخيرة؟

‏للأسف، أصبحت هذه النوعية من الأفلام نادرة في السينما المصرية، وما يُنتَج منها غالبًا ما يرى النور من خلال المنصّات الإلكترونية، أو يحظى بعرضٍ سينمائي قصير قبل أن ينتقل إلى المنصّات، ضمن خطة إنتاجية مرسومة منذ البداية.

منصّات العرض الإلكتروني… سلاح ذو حدّين 

‏لا يمكن إنكار أن المنصّات الإلكترونية أصبحت نافذةً مهمّةً لكثير من المبدعين؛ سواء لأولئك الذين ما زالوا في بداياتهم ويبحثون عن مساحة للتجربة وعرض أفكارهم، أو للمبدعين المخضرمين الذين وجدوا فيها متّسعًا للتعبير عن رؤى يصعب تنفيذها في إطار السينما التجارية، أو فرصةً لتجديد أسلوبهم المعروف.
‏وقد أسهمت هذه المنصّات في تطوير أدوات الصناعة، لا سيما في عالم المسلسلات، التي باتت أكثر تكثيفًا وفنيّة بفضل دخول تقنيات التصوير السينمائي، ومشاركة كُتّاب ومخرجين قادمين من عالم الأفلام.
‏إلا أنّه، وكما هو الحال في أي مجال يبدأ بروح التجربة، سرعان ما يتحوّل الهدف من البحث الفني إلى السعي وراء تحقيق أكبر قدرٍ ممكن من الأرباح. ومع مرور الوقت، أصبحت بعض الأنواع السينمائية حكرًا على المنصّات الإلكترونية، مما أفقد تجربة المشاهدة الجماعية داخل قاعات السينما جزءًا من سحرها وتأثيرها الجمعي.
‏ومثلما كان لهذه المنصّات فضلٌ في تطوير أدوات الكتابة والإخراج، فقد ساهمت أيضًا في ظهور بعض الظواهر السلبية، أبرزها ظاهرة المشاهدة المتواصلة أو ما يُعرف بـ(Binge-Watching)، التي أصبحت سلوكًا اعتياديًا لدى الأجيال الجديدة.

‏أصبح من الضروري على كل كاتبٍ أن يختتم حلقاته بحدثٍ صادم أو بما يُعرف في الدراما بـ(Cliffhanger)، يجبر المشاهد على تشغيل الحلقة التالية فورًا، وإلا شعر الأخير بالملل أو بعدم الرضا. وهكذا تغيّر مفهوم التلقّي من تفاعلٍ متأنٍّ إلى استهلاكٍ سريعٍ ومتواصل.

غياب الأفلام الإنسانية عن دور العرض
‏ورغم أهمية هذا التحوّل في فهم طبيعة المشاهدة الحديثة، أودّ في هذا المقال التركيز على جانب واحد تحديدًا: غياب بعض أنواع الأفلام عن دور العرض، وتأثير ذلك على الذوق العام وصناعة السينما في مصر.

‏هذا التأثير لم يقتصر على السينما المصرية وحدها، بل شمل السينما العالمية أيضًا، غير أنّ مصر تأثّرت به بصورة أسرع، بفعل عاملين رئيسيين:

العامل الأول: قلّة الإنتاج السينمائي
‏الإنتاج المصري لم يعد غزيرًا كما كان في السابق. فعلى سبيل المثال، يبلغ إجمالي عدد أفلام أحد نجوم الصف الأول نحو عشرين فيلمًا على الأكثر، وهو رقم متواضع مقارنةً بجيل السينما الذهبي، الذي كان متوسط إنتاج أفراده لا يقلّ عن ثلاثة أفلام سنويًا، تتنوّع بين الجادّ والهزليّ والتجاريّ.

‏هذا التنوّع مكّنهم من تحقيق توازنٍ فنيّ واقتصاديّ؛ إذ كانت الأفلام التجارية تغطّي تكاليف الأفلام الفنية، كما ساهمت كثافة الإنتاج في صقل أدوات الكتّاب والمخرجين، فارتفع المستوى العام للأفلام إلى ما فوق المتوسّط.

العامل الثاني: ارتفاع سعر تذكرة السينما
‏فمنذ سنوات قليلة، كانت التذكرة تتيح للمشاهد حضور أكثر من عرضٍ في اليوم الواحد، وكانت دور العرض منتشرة كمؤسساتٍ مستقلة في الشوارع، لا كجزءٍ من المجمّعات التجارية كما هو الحال اليوم.

‏وبالتالي، عندما يفكّر المشاهد في الفيلم الذي يستحقّ دفع ثمن التذكرة، يميل غالبًا إلى اختيار أفلام الأكشن التي تمنحه متعةً بصريةً أكبر على الشاشات العملاقة مثل «الأيماكس»، بينما يفضّل مشاهدة الأفلام الكوميدية أو الرومانسية في المنزل عبر المنصّات الإلكترونية، باشتراكٍ شهريّ غالبًا أقلّ من سعر تذكرةٍ واحدة.

العامل المفقود: المشاهدة الجماعية
‏ لكن هنا يكمن العامل المفقود: تراجعت المشاهدة الجماعية وتلاشت المشاعر المشتركة التي كانت تتولّد داخل قاعات السينما.
‏ صحيحٌ أن المشاهد يستطيع متابعة الفيلم على شاشةٍ حديثة أو هاتفٍ ذكيّ، لكنه في النهاية يشاهد وحيدًا، مما يقلّل من أثر التفاعل الجماعي، ذلك الجوهر الذي كانت السينما تملكه كفنٍّ اجتماعيّ يجمع الناس حول المشاعر نفسها.
‏ هذا ليس تقليلًا من شأن الأنواع السينمائية الأخرى، فجميعها مهمّ، لكن ما نفتقده اليوم هو ذلك البعد الإنساني الذي كان حاضرًا بقوة في الأفلام الإنسانية والدرامية السابقة.
‏أفلام من نوع «الحفيد»… أين ذهبت؟
‏ وهذه الظاهرة لا تنطبق على الأفلام الرومانسية فحسب، بل تشمل الأفلام الإنسانية عمومًا.
‏ ففيلم الحفيد أحد أفضل الأفلام المصرية من حيث الصناعة والكتابة كان عملًا إنسانيًا بامتياز؛ احتفى بالحبّ والعائلة والأبوّة والأخوّة والصداقة، وجسّد ببراعة صراع الأجيال بين ثورة الشباب وحكمة الكبار.
‏ تميّز الحفيد بواقعيته البسيطة التي لامست قلوب الجمهور، وبقدرته على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى مشاهد تنبض دفئًا وصدقًا، من دون افتعال أو مبالغة.
‏ لكن ما نسبة تكرار ظهور فيلم كهذا اليوم؟ خصوصًا أن إنتاج الحفيد نفسه سبقه العديد من التجارب الإنسانية التي ألهمت صانعيه لتقديم مثل هذا العمل البديع.
‏صحيحٌ أن الهدف الأساسي من السينما هو التسلية، غير أنه كلّما زادت الطبقات المضافة إلى الفيلم، زاد أثره وعمقه.
‏ ومع تسارع العالم نحو براغماتيةٍ تخلو من رائحة الإنسانية، أصبحت الحاجة إلى سينما إنسانية أكثر إلحاحًا؛ سينما تعكس مشاعرها على عددٍ كبيرٍ من المشاهدين، فيتبادلون داخل القاعة نظرات الحب ودفء الضحك، كما لو أن الشاشة صارت مرآةً لقلوبهم جميعًا.
‏ربما كان التعبير عن الحب في الماضي بسيطًا ومحدودًا، لكنه كان صادقًا، وكان مجرد مشاهدة فيلم رومانسي كفيلة بأن تُحيي شيئًا من الدفء في القلوب.
‏ لم أعد أرى هذا التأثير إلا نادرًا، كما حدث مؤخرًا عندما شاهدت وفيها إيه يعني.
‏ كانت القاعة مكتظّة، لا يوجد فيها مقعد فارغ؛ العائلات والأزواج، من بدأوا فصول حبهم الأولى، ومن يعيشون منتصفها، ومن يكتبون فصولها الأخيرة,جميعهم يتبادلون الابتسامة نفسها. حينها شعرت أنني تلقيت رسالة الفيلم بطريقة مختلفة، وسألت نفسي:
‏ وفيها إيه يعني لو كانت هذه التجربة دائمة التكرار كما كان الحال سابقًا؟
‏ ربما كانت كفيلة بأن تُنعش شيئًا صغيرًا في أرواحنا، ذاك الشيء الذي كانت السينما تعرف كيف تلمسه يومًا ما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *