في خمسينات القرن الي فات، في ألمانيا تحديدًا برلين في يوم اثنين عشوائي تمامًا بيروح ماكسيمليان كراوفتر شغله وهو مكتئب وحزين على غير العادة لأنه في الطبيعي شخص محب للفنون ومرح ودايمًا مبسوط، ووسط استغراب زمايله كان لازم حد يسأله مالك يبني؟ ايه مزعلك للدرجادي؟
فبيرد وهو متهالك تمامًا من الحزن وبيقولهم ان فيلم “The Black Forest Girl” اتشال من السينما وملحقش يشوفه “تاني” رغم انه كان مقرر انه هيعيد مشاهدته مرة كمان.
حزن ماكسيمليان الكبير ده قابله استغراب أكبر من زمايله، مش علشان هو حزين عشان فيلم لأنهم عارفين قد ايه الفن مهم بالنسباله، بس كانوا مستغربين عشان “تاني” دي!
يعني انت بالفعل شوفت الفيلم، ليه أصلًا عايز تشوفه تاني؟
ودي كانت أول مرة ماكسيمليان يرفع وشه في وش حد طول اليوم وقال لزمايله واحدة من أجمل الجمل في حق الأفلام :” أرغب في استمرار إعادة مشاهدة الأفلام لتقدير المزيد من التفاصيل، لعلها تعويض عن جميع التفاصيل التي لا أستطيع تقديرها في الحياة وبالطبع لا أستطيع إعادتها.”
بتمر 70 سنة وأكتر، ولسه في ناس بتسأل نفس السؤال :”انتو ليه بتعيدوا مشاهدة الأفلام؟“
سؤال على السطح كدا يبان منطقي، قصة انت شوفتها وعارف هتبدأ ازاي وتنتهي فين، مين هيعمل ايه بالظبط وازاي، ايه لازمتها بقا تشوفها تاني؟
يعني هو مش عرض مسرحي مثلًا بتعيد مشاهدته على أمل تطلع بتعبير جديد من الممثل، أو فكرة جديدة اتولدت على خشبة المسرح، ولا حفلة موسيقية لفنان كبير تحضر له كل مرة لأن هو نفسه كل مرة بيتغير، ده فيلم اتسجل واتقفل وبقى نسخة واحدة عمرها ما هتتغير، فليه مصمم تشوفها تاني؟
ليه بترجع كل مرة تشوف نفس الحاجة الي مبتتغيرش؟
ولا يمكن هو ده السبب تحديدًا انها مبتتغيرش؟
بما ان الزمن اتغير واعادة المشاهدة دلوقتي أسهل، لكن لسه أحفاد زمايل ماكسيمليان بيسألوا نفس السؤال، قررت أفكر شوية في إجابات مختلفة عن فلسفة ماكسيمليان وأجمعهم هنا ممكن تكون بداية فك شفرة اللغز ده.
- جهد أقل .. متعة أكتر.
العقل البشري مصمم علشان يبحث عن أكتر طريقة ممكن توفرله الراحة، بيحب الأعمال الروتينية وبيسعى انه يخلي كل شيء روتيني، كل ما يتعامل مع حاجة مألوفة بيكون مريح ليه وموفر، وفي الأفلام مشاهدة فيلم انت عارفه كويس بيضمنلك مجهود أقل في التفكير والإدراك ومتعة وترفيه أكتر بكتير، لأنك مش محتاج تفكر هم عملوا ايه وهيعملوا ايه، كل الي انت محتاجه انك تشوف الي اتعمل وتقدره أكتر وبس.
- قول للزمان ارجع .. يا زمان.
بعض الناس بتعيد مشاهدة الأفلام علشان ترجع للحظة كانوا حاسين فيها احساس مش عارفين يحسوه دلوقتي، هم مش بيرجعوا للفيلم هم بيرجعوا لشعورهم الي اتخلق وقت مشاهدة الشيء ده لأول مرة، كأنك في رحلة لمراحل سابقة مفيش أي حاجة ممكن ترجعك ليها غير مشهد وممثل ومزيكا كانوا موجودين وقتها.
- المتعة في المنتج لكن الجمال .. في التفاصيل.
ودي كانت اجابة ماكسيمليان الأساسية، كل ما بترجع تشوف حاجة انت حبيتها، بتقدر تفاصيلها أكتر، الصورة الكبيرة ممكن تكون جميلة محدش يقدر ينكر ان الموناليزا حلوة، لكن الجمال الحقيقي في كل نقطة حبر كونت اللوحة في النهاية، في كل قطعة اتحطت في مكانها علشان تكون قدر من الجمال يجبرك تحبه، وترجع له مرة تانية.
- طلبات القلب أوامر.
زي ما العقل بيدور على أكتر طريقة ممكن تريحه، إعادة مشاهدة الأفلام كمان بتضمن راحة نفسية مش موجودة في فيلم جديد، أجواء مألوفة وشعور بالاستقرار والأمان مش سهل تلاقيه، كأنك بعد سنين من الغربة السفر بترجع لبيتك الي اتربيت فيه، الفيلم المفضل زي البيت ده بقا تقدر توصفه بالدار آمان.
- العادة ببساطة.
بعض الأفلام بتنمو جواك بمرور الوقت عشان تكون جزء من روتينك، في فيلم بتشوفه في عيد ميلادك بدون سبب، فيلم رأس السنة، فيلم العيد، الأفلام مش شيء منفصل عن الحياة هي جزء منها، بتتأثر بيها وبتؤثر فيها، احساس انك كل مرة بيكون عندك انترفيو وتلبس بدلة معينة عشان اتعودت عليها في الموقف ده ميختلفش كتير عن احساس انك تفتح نفس الفيلم كل سنة في نفس اليوم لأنه جزء منه مش شيء غريب أبدًا.
جايز من 70 سنة مكانتش الأسباب دي في الحسبان لأن إعادة مشاهدة الأفلام نفسها مكانتش سهلة، جايز ماكسيمليان مكانش حاطط كل ده في الحسبان هو بس كان عايز يشوف سونيا زيمان بطلة فيلمه المفضل مرة تانية وخلاص.
بس أيًا كان السبب هو حط قاعدة ان الأفلام مش للمشاهدة الواحدة ولحد النهارده كلامه كل شخص هيحس بيه بطريقة مختلفة، هو مبقاش موجود ولا الناس الي استغربه من رغبته في إعادة فيلم موجودين، لكن لسه الناس مقسومة نصين، نص بيهرب لفيلمه من وقت للتاني وجزء بيستغرب الإعادات دي.
فالمهم انت مين فيهم؟
ولو بتحب تشوف نفس الفيلم أكتر من مرة؟ يا ترا ليه؟ مش كفاية مرة واحدة؟
