ماذا يحدث عندما نصل؟ نحقق الأمال وندشن أسمائنا بحروف من ذهب في التاريخ، لكن ماذا بعد؟
.معضلة طرحت في أول نصف ساعة من الفيلم ذو الساعتين والثلث جعلتني أفكر كثيراً حتى يحملني قلمي على كتابة هذه المراجعة لقوة تأثير الفيلم علي
.فيلم فلسفي للغاية لـ “لوكا جوادانيينو” ويمكنني القول بأنه ممتع للغاية ومثير للاهتمام ومؤرق حقاً
من حيث الإمتاع فالفيلم صنع بحرفية عالية للغاية من ناحية التصوير، والألوان، والتنقلات بين المشهد والأخر، وبين المتحدث والأخر فتشعر أيها القارئ بأنك فرد مشارك في الحديث القائم في الفيلم ولست مستبعداً تماماً لأنك مثلهم… عرضةً للاختبار والتقييم وفي الغالب لا تعرف وجهتك التالية
من حيث إثارة الاهتمام فقد نجح “لوكا جوادانيينو” في جذب انتباهي بسرعة بدايةً من أصوات عقارب الساعة التي صاحبتنا لفترة ليست بالهينة في بداية الفيلم حتى أنني لم أستنكر تكرارها لأنها ساهمت في ارتباطي الشديد بالأحداث ورغبتي الملحة في أن أعرف الحقيقة وكيف، وأين، ومتى، ولمَ
.لكن أول ربع ساعة من الفيلم مضت ببطئ شديد تركني في حالة من عدم الفهم لكن الإيقاع استعاد توازنه سريعاً
كما أن الغموض في بعض اللحظات الهامة في النص كان مؤثراً على التقييم النهائي. فبعض اللحظات استحقت بعض الوقت لتتضح تفاصيلها وحتى يتمكن الممثلون مثل “أندرو جارفيلد” الذي حظي بوقت قليل على الشاشة من استخدام كافة حواسه لجعل التجربة أكثر اكتمالاً
الوقت عنصر من عناصر الإثارة في العموم وقد حسن استخدامه هنا، فالوقت يمضي ويمضي ويمضي حاملاً معه كل شيء حتى نحن دون أن نلحظ سرعته فأين يأخذنا وترا كيف سيتركنا؟ إنها أسئلة بلا إجابة… فيصبح الوقت مؤرقاً
ناقش الفيلم فكرة «ماذا بعد؟» من خلال عدة شخصيات. فنرى شخصية «ماجي» وتصرفها الانفعالي الذي جعلها تحاكي تصرفات مرشدتها في صباها رغبة في التقرب منها وأملا فيما هو أكثر، لكنها لم تفكر في عاقبة فعلتها. وهنا يأتي دور فكرة «ماذا بعد»؟
تتخبط «ماجي» وتسعى جاهدة لجذب انتباه «ألما» مرشدتها، دون أدنى معرفة بما سوف يحدث. ثم تتمادى في اتخاذ القرارات الجريئة. كما أن «ألما» تصرفت بانفعال أيضا في فترة مراهقتها جهلا منها بفكرة «ماذا بعد؟»
.نرى «فريد» زوج «ألما» مستمرا في زواج يكاد ينتهي تماما لجهله بما سيحدث بعد الانفصال، أو لخوفه من الانفصال؟ عليك مشاهدة الفيلم حتى تقرر يا عزيزي القارئ
كما أن «هانك» هو الآخر يفتقر إلى الوجهة! أهو رجل لعوب يعشق اللهو؟ أم إنه معلم متميز يريد التمكن في مهنته أكثر فأكثر؟ ولأنه يجهل نتيجة كلا الطريقين اختار أن يسير في كلاهما أملا في الوصول، لكنه لا يعرف «ماذا بعد؟»
.تسلسل النهاية كان بإمكانه أن يكون أفضل، فقد تسبب بشعوري ببعض الغموض والتوتر كأنني غفلت عن حدث ما
.الأداءات التمثيلية كانت رائعة للغاية، وكل تمكن من إتقان دوره ببراعة، ما عدا الشابة «آيو إيديبيري» ذات التعبيرات الجافة المصطنعة
.كانت «چوليا روبرتس» رائعة. مثال حي للتمكن والقوة والكفاءة في التمثيل
.أما عن «أندرو جارفيلد» فرغم صغر حجم دوره، إلا أن حضوره كالعادة كان مميزا. لم يكن على قدر التوقعات، لكنه كان كعادته مؤثرا
.الطريق طويل للغاية أمام «آيو إيديبيري» حتى تواكب هؤلاء. اختيارها لهذا الدور كان بمثابة ظلم لها
:طريقة طرح القضية في الفيلم متميزة بالفعل ومتشعبة للغاية، فلا يوجد فيها مساحة للملل على الإطلاق. فقد طرحت عدة تساؤلات منها
.١ ماهية الوقت وقدرته على التخفيف من وقع الأمور
.٢ مناقشة ثرية لكوننا عبيد لنتيجة الفعل بلا تقدير للفعل نفسه
.٣ مناقشة الكود الأخلاقي الداخلي؛ بوصلة العدالة العمياء بداخل كل منا
.وغيرها الكثير سأتركك لتستكشفها أيها القارئ
إنه فيلم يضعك موضع الجميع لتواجه الأمور التي لطالما وقفت عندها موقف الهارب. لم؟ لكي تعرف أيها القارئ «ماذا بعد؟»
!أتمنى لكم سهرة سينمائية سعيدة
