كان أحمد عبد الله شديد الهدوء، قليل الصخب، على الرغم من أن أعماله كانت تضجّ بالضحك وتملأ دور السينما بالحياة. وبرغم شهرة هذه الأعمال وكيف تحوّلت إلى علامات راسخة في الذاكرة الجماعية، فإن لها قدرة فريدة على التواصل مع أجيال مختلفة. بل إن جزءًا من لغة حوار هذه الأفلام من الإفيهات والـ”بانش لاينز” التي نطق بها أبطاله صار جزءًا من لغتنا اليومية المتداولة.

لقد تحدثت أعماله عنه قبل أن يتكلم هو؛ فهو كاتب “الناظر” و “عبود على الحدود” و “اللمبي” و “عسكر في المعسكر” و “فول الصين العظيم” و“55 اسعاف” و“غبي منه فيه” و“كباريه” و “الفرح” و مسرحيات “حكيم عيون” و “الابندا” وغيرها من الأعمال التي أصبحت من كلاسيكيات الكوميديا الحديثة. كانت كل هذه الأفلام بمثابة نافذة كان يمكن أن يطلّ بسببها أحمد عبد الله علينا بآرائه و تحليلاته، لكن لأنه رجل هادئ بطبعه فضّل دائمًا أن يعبّر عن أفكاره داخل أفلامه فقط.

ورحل كما عاش: بهدوء شديد. لكنه ترك خلفه إرثًا ضخمًا سيظلّ حاضرًا في تاريخ السينما المصرية، ليس فقط بوصفه كاتبًا كوميديًا، بل كاتبًا استطاع أن يصل إلى جميع الفئات الاجتماعية وجميع الأجيال، وأن يخلق لغة مشتركة تجمعهم حول الضحك والتجربة الإنسانية.

لكن ما الذي جعل أحمد عبد الله كاتبًا قادرًا على التواصل مع كل هذه الفئات؟
الجواب يبدأ من قدرته التحليلية. فكما يقول كبار كتاب الدراما دائمًا: العمل الكوميدي هو أصعب أنواع الكتابة، لأنه يتطلّب تفكيك الفكرة إلى عناصرها الأولى، وفهم منطقها الداخلي، ثم استخدام الانحرافات الدرامية الدقيقة التي تُنتج الضحك. فإذا أدرك الكاتب هذه العناصر الأولية، امتلك القدرة على تحويل الفكرة إلى لحظة كوميدية صادقة .

ومع ذلك، يظلّ العامل الأهم في تجربة أحمد عبد الله هو “الاهتمام“.

إدراكه العميق أن الكوميديا الجيدة لا تُبنى إلا على دراما جيدة أولًا. قبل أن تكتب نكتة أو إفيه، يجب أن تكون قادرًا على حكي قصة متماسكة، تحتوي شخصيات حقيقية يمكن للجمهور أن يتواصل معها. فالتواصل يأتي أولًا، ثم الاهتمام، ثم بعد ذلك يبدأ المتفرج في الإيمان بالرحلة.

الكثير من الإفيهات لو انتُزعت من سياق أفلامه، لن تحمل نفس الوزن أو تثير نفس الضحك، لأن جوهر الكوميديا عند أحمد عبد الله هو الكوميديا المبنية على التواصل الإنساني .

نحن نضحك لأننا نهتم بالشخصيات، ولأن رحلتها حتى وإن كانت هزلية تجعلنا نتعاطف معها.

رحلة صلاح لاستعادة مدرسة آبائه وأجداده في الناظر، ورحلة عبود على الحدود، أو رحلة محي في مسابقة الطبخ في فول الصين العظيم… كلها رحلات هزلية الشكل، لكنها مبنية على دافع إنساني بسيط وواضح. وهذا هو ما يتطلبه كاتب شديد التميز: أن يصنع من الهزلية طريقًا للتواصل، لا أن يجعل الفيلم مجرد عرض اسكتشات ونكات تنتهي بمجرد خروج المشاهد من القاعة.

الصراع

بدون صراع لا توجد قصة. لكن في التجربة الكوميدية يصبح الصراع أكثر تعقيدًا، لأنه غالبًا ما يكون صراعًا داخليًا، والصراع الداخلي في الأفلام الكوميدية يجب أن يكون موزونًا بدقة شديدة. فهو يحتاج إلى أن يُغلَّف داخل الإطار الكوميدي دون أن يطغى عليه، لأن زيادة جرعة الصراع تجعل الفيلم ثقيلًا فيفقد المشاهد اهتمامه، بينما طغيان المحاولات الكوميدية على حساب الصراع يجعل المشاهد يشعر بأنها محاولات بلا معنى، فينقطع التواصل بينه وبين الشخصيات. ولهذا تبدو أفلام أحمد عبد الله مليئة بالصراعات التي تُصاغ في شكل خفيف لكنها مبنية على أساس درامي متين.

ففي عبود على الحدود نرى صراع عبود مع السلطة والانضباط العسكري الذي لا يشبه عالمه على الإطلاق، إضافة إلى محاولاته المستمرة لإثبات ذاته أمام توقعات والده. وفي فول الصين العظيم يخوض محي صراعًا مع عالم لا ينتمي إليه، ومع مفهوم الرجولة والقوة الذي يتناقض جذريًا مع شخصيته.

هذه الصراعات وغيرها هي التي تمنح الكوميديا معناها، لأنها تجعل الضحك نتيجة طبيعية لمعاناة الشخصية وليست مجموعة نكات معزولة.

المكان

من أبرز خصائص كتابة أحمد عبد الله قدرته على تحويل المكان مهما كان ضيقًا أو محدودًا إلى عالم كامل نابض بالحياة، له قوانينه ومزاجه وإيقاعه. سواء كان المكان مدرسة أو معسكرًا أو قطارًا أو شارعًا شعبيًا أو حتى بلدًا أجنبيًا بالكامل، فإن عبدالله يمتلك موهبة فريدة في أن يبني من الإطار الضيق عالمًا واسعًا، وأن يختصر من خلال التفاصيل الصغيرة عوالم كبيرة ومعقّدة.

في الناظر، ورغم أن الأحداث تدور داخل أسوار مدرسة عاشور، فإننا لا نراها مجرد مدرسة، بل مملكة لها تاريخها وسلطاتها وشخصياتها، وكأن العالم كله مُختزل داخل هذا السور.
وفي عبود على الحدود يتحول المعسكر العسكريإلى عالم مغلق بقوانينه وطقوسه، كقطار يتحرك دون توقف، ما يفرض على الشخصيات الإيقاع والطاعة والصراع .

أما عسكر في المعسكر فيقدم شكلًا مختلفًا من “المكان”، فهنا نحن أمام فيلم طريق وهروب، والطريق نفسه رغم انفتاحه يتحول إلى مكان مغلق بضغوطه ومطارداته، كأن مسافة الهروب عالم له قوانينه الخاصة.

وفي فول الصين العظيم، ينتقل عبدالله إلى بلد كامل مختلف ثقافيًا، ولكنه ينجح في اختصار الصين بكل اتساعها داخل عدد محدود من الأمكنة:
مطعم، شوارع ضيقة، مسابقات الطبخ، فندق صغير. هذه المساحات المحدودة تصبح عالمًا كاملًا بالنسبة للبطل، عالم غريب ومربك لكنه مكتمل القوانين.

أما ساعة ونص، فيقدّم المثال الأوضح للعالم المغلق، حيث يُحبس عشرات الأشخاص داخل قطار واحد لمدة ساعة ونصف.ورغم ضيق المكان، فإن القطار يتسع لعلاقات وصراعات وطبقات اجتماعية كاملة، فيصبح عالَمًا قائمًا بذاته.

ويأتي كباريه ليضيف طبقة جديدة ومختلفة بالكامل لفكرة “الأسوار المغلقة”. فالكباريه مكان له قوانينه الداخلية وعالمه الموازي الذي لا يراه أحد خارج أبوابه. داخل هذا السور تظهر شخصيات لا يعيشون حقيقتهم إلا هناك: علاقاتهم، هروبهم، نقاط ضعفهم، وحتى لحظات القوة التي لا تحدث إلا داخل هذا العالم. الكباريه يمنح حماية لفئة معينة كأنه كأنه مظلة اجتماعية بديلة وفي الوقت نفسه يكشف هشاشة هذه الحماية عندما تتصادم مع العالم الخارجي. هنا المكان ليس مجرد خلفية للرقص والضحك… بل مجتمع داخلي سرّي له إيقاعه وتوازناته، لا يفهمها إلا من ينتمي إليه و بهذه الطريقة سواء كان المكان ثابتًا أو متحركًا، ضيقًا أو واسعًا، واقعيًا أو غريبًا يثبت أحمد عبد الله قدرته على خلق عوالم ضخمة داخل حدود صغيرة واختصار عوالم واسعة داخل تفاصيل دقيقة وتحويل المكان إلى بطل درامي يشارك في بناء الكوميديا والصراع، عمل ساخر ومؤلم في آن واحد يستخدم ملهى ليلي كنموذج مصغر للمجتمع المصري. السيناريو ذكي في ربط مصائر شخصيات من طبقات وخلفيات مختلفة داخل مكان واحد لتنكشف التناقضات السياسية والاجتماعية والأخلاقية بلا تجميل. قوة الفيلم في كتابته التي تمزج الكوميديا السوداء بالنقد المباشر أحياناً دون أن تفقد روح الحكاية. الإخراج منضبط ويستفيد من المساحة المحدودة ليصنع إيقاعاً حاداً ومتصاعداً. الأداءات قوية خصوصاً في الشخصيات التي تمثل السلطة والنفاق الاجتماعي. كباريه ليس فيلماً للمتعة السهلة بل شهادة على مرحلة ومرآة لمجتمع يعيش على التناقض والازدواجية. عمل جريء ما زال محتفظاً بقيمته ودلالاته.

فيلم الفرح هو تجربة جماعية ذكية تدور بالكامل داخل ليلة فرح شعبي لتتحول المناسبة السعيدة إلى مرآة مكثفة للمجتمع المصري. السيناريو يعتمد على تعدد الشخصيات والخيوط الإنسانية التي تتقاطع في مكان واحد وزمن واحد ليكشف الطبقية والنفاق الاجتماعي والقهر والفساد والأحلام المؤجلة دون خطابة مباشرة. قوة الفيلم الحقيقية في الكتابة حيث كل شخصية لها وزن ودافع واضح وحوار يحمل طبقات من المعنى ويكشف أكثر مما يصرح. الإخراج ينجح في إدارة هذا العدد الكبير من الممثلين بإيقاع متماسك دون أن يفقد السيطرة أو يتحول إلى فوضى. الأداءات جماعية قوية خاصة من النجوم المخضرمين الذين أعطوا شخصياتهم عمقاً إنسانياً بعيداً عن الكليشيه. الفيلم لا يحاكم شخصياته بل يتركها تتعرى أمام المشاهد. الفرح هنا ليس مناسبة بل حالة زائفة تغطي على واقع مأزوم. عمل صادق وقاسٍ أحياناً لكنه من أهم أفلام السينما المصرية في تصوير المجتمع من الداخل دون تجميل.

وإذا أخذنا في الإسهاب عن العناصر التي يمتلكها أحمد عبد الله ككاتب، فسنجد أنفسنا أمام قائمة طويلة تكاد تضم كل ما يمكن أن يحمله كاتب سيناريو من أدوات، باختلاف درجات إتقانه لها. لكنه تفرّد بقدرته على نسج حباله الدرامية بما يجعل فيلمه يتنفس في أي مكان، ويستخرج أقصى طاقة ممكنة من القماشة التي بين يديه، مهما ضاقت حدودها أو اتسعت.

كان يعرف دائمًا كيف يفصّل شخصياته على مقاس المساحة المتاحة، سواء كان أمام فيلم بطولة فردية أو عمل جماعي مكتظ بالشخصيات.

إنه كاتب فريد من نوعه، ترك أثرًا واضحًا على جيله، وسيظل تأثيره ممتدًا ومُلهمًا لمن سيأتي بعده.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *