حفلة 4 العصر
الناس جلوسٌ في قاعة مظلمة أمام شاشة ذهبية
يبدأ الفيلم بحفل الست أم كلثوم في باريس والذي تحييه على مسرح الأولمبيا
نعيش مع جمهور الحفل لحظات من الترقب والحماس من خلال فلاش الكاميرات وإيقاع التصفيق
شيئًا فشيئًا نتحسّس بفضول لمحات من وجه وجسد الست أمام مرآتها تتجهّز لإحياء الحفل محاطةً بهالة من الإجلال والعظمة
مع الجمل الحوارية الأولى نتيّقن أننا أمام تجسيد مهيب لأيقونة فريدة ترفض الميوعة السياسية وتعلن بإباء عن أهدافها
تخرج من غرفتها شامخةً إلى خشبة المسرح فيقف الخلق ينظرون جميعًا إلى تاج العلاء … الست ثومة
الرؤية
بات الفيلم محطًّا للتساؤلات منذ أن كان مشروعًا في بداياته. ماذا تحوي جعبة أحمد مراد ليروي سيرة كوكب الشرق بعدسة مروان حامد في التعاون السادس لهما؟ كيف ستظهر منى زكي؟ هل يزور الفيلم محطة واحدة من حياتها أم سيقدّم سيرة ذاتية كاملة؟ بل تعدّى الأمر نطاق المشروع نفسه فوجدنا شبح مسلسل السندريلا يطارد منى زكي بعد مرور حوالي عشرين عامًا على عرضه ليتنبّأ بمصير الفيلم قبل أن يرى النور
في حقيقة الأمر علينا ألّا نبني حكمًا كاملًا قبل مشاهدة العمل بنفسه من وجهة نظر صنّاعه, فكما للجمهور الحق أن يتفاعل مع اللقطات المسرّبة والمقاطع الدعائية سواء باهتمام أو فتور إلا أن الحكم الكامل لا يأتي إلا بمشاهدة المشروع نفسه, والذي لم يدّعِ فريق العمل أنه سيرة ذاتية مطابقة للمواصفات بل مستوحى من أحداث حقيقية مرّت بها السيدة أم كلثوم. وعليه, فلماذا اتخّذ أصحاب المشروع قرارًا بتبنّي المشروع من الأساس؟ يبدو أن الأمر ليس عن أم كلثوم الفنانة وإنما أم كلثوم الرمز الثقافي وحجر الأساس في هوية الفن المصري
واحترامًا للفنانين أصحاب المشروع فمن الوعي والنضج ألّا نفرض رؤيتنا على مشروعهم بل نتيح لهم الفرصة للتعبير عن هذه الرؤية المختلفة كما يودّون روايتها ومن ثمّ نستطيع الحكم عليها حكمًا موضوعيًا ينبع من تنفيذ تلك الرؤية لا مقارنتها أو مطابقتها بما كنا نودّ أو نتوقّع رؤيته
الأسطورة
استطاع مروان حامد بتمكّن واضح أن يطوّع كل أدواته من أجل المشروع الذي نجح أحمد مراد بدوره في أن يكتب محطاته بوضوح
أشيد أكثر ما أشيد في هذا العمل بثقة صنّاعه في وجهة نظرهم ومعرفتهم حق المعرفة بما يريدون أن يناقشوه تحديدًا في مسيرة أم كلثوم فلا غلبهم الطمع في تناول محطات أكثر فينفرط عقد الفيلم, ولا استهواهم الكسل فيضعف قوامه
على إثر سقوط السيدة أم كلثوم على يد أحد مهووسيها تتداعى ذكرياتها في شريط منفصل متصل نغوص فيه معها ليتراءى لنا كيف تمردّت الست على كونها ست
تبدأ الرحلة من السنبلاوين مع طفلة تعمل بلقمتها تحت أقسى الظروف فيشتدّ عودها في ثوب رجالي يحميها من عار الأنوثة
ينفتح باب الشهرة أمام ثومة المراهقة حين تواتيها الفرصة للانتقال من حياة الأقاليم إلى “مصر”. هناك تدرك قيمة موهبتها بحق فتتحرّر بتأنٍّ من قيد السلطة الأبوية الذي أدمى معصمها
ومن هنا تنطلق أسطورة أم كلثوم التي تمكنّت من إرساء من قواعدها بعزيمة وطموح لتقدّم درسًا لتمكين المرأة والإيمان بمهاراتها القيادية والاجتماعية, فنراها كيف تخوض حربً ضروس للفوز بكرسي النقابة أمام مجتمع لا يؤمن بجدارة المرأة, وعلى ضفة أخرى نراها ذات قلمٍ صحفي ليصبح صوتها صوتين
هو صحيح الهوى غلّاب؟
هل خضعت الست أم كلثوم أمام عاطفتها؟ هل تغلّب عليها غرامها؟ هل اتبّعت النمط الشائع الذي يفرض على المرأة قدر مبالغ فيه من العاطفة على حساب عقلها؟
يقدّم الفيلم صورة حيّة لسيدة واعية متحقّقة لا تبحث عن نصفها الآخر لإكمال نقص ليس فيها, بل ما يحرّكها دائمًا كان إيمانها بموهبتها وطموحها اللامتناهي للوصول إلى خارج حدود المجرة فيُنقش اسمها في صخر الزمان
كما جسّد الفيلم أم كلثوم الابنة والأخت وسيدة المجتمع, فلم يغفل عن إظهار أم كلثوم الحبيبة
وطالما اللي يحب يبان في عينيه فقد رأينا حلاوة الوقوع في الحب في عيني منى زكي مع كل دقّة من دقّات قلب الست. ذقنا حلاوة الحب وتجرّعنا مراره مع ثومة, والأهم أنّنا نرى كيف تتمكّن من تطويع هذا لخدمة مشروع عمرها, أسطورة الستّ
كم سمعنا أن المرأة تمشي عمياء خلف عواطفها وأن الرجل أكثر حكمة ورزانة! تأتي الست بكل ثبات فتحطّم تلك الخرافة وتتخطّى مواجعها بملاحم موسيقية تعكس تجاربها وتدعم قريناتها
الهوى ما طلعش غلّاب ولا حاجة يا ستّ!
الخاتمة
نسج أحمد مراد خياله مع بعض الوقائع كي يخرج لنا صورة درامية عن كواليس حياة ثومة, فالفيلم ليس سيرة ذاتية بمعناها التقليدي وإنما استغلال أسطورة الست كرمز ثقافي ليتماشى مع الأصوات المنادية بتمكين المرأة والتدليل على كفاءتها في تولّي مناصب عليا
نجح الفيلم في تجسيد السيدة أم كلثوم وليس النبيّة أم كلثوم كما شهدنا في الكثير والكثير من السير الذاتية, فنرى السيدة تخطئ وتصيب وتحارب وتشجب وتنافس. الأهم من ذلك هو أنه لم ينقص شيئًا من أهليتها أو أحقيتها بالوصول لأي مما وصلته, فلا هي استكانت كما سواد النساء ولا هي استحالت كبتًا إلى شيطانًا رجيمًا
وفي نهاية الأمر يظل العمل الفني مرآة لمنظور صنّاعه لا وثيقة تاريخية, وسيظلّ صوت أم كلثوم الأبقى مهما تعدّدت التناولات والسير الذاتية
