ليه بنحب الفن؟
السؤال ده ممكن يبقى سطحي عند ناس كتير، ممكن يبقى مُدعي أكتر من اللازم عند ناس أكتر، بس بالنسبالي هو مدخل لسؤال تاني أهم “ايه هو الفن أصلًا؟”
الفن مش مجرد لوحة على حيطة، أو فيلم في السينما، أو أغنية بتتسمع في الطريق بتحكي قصة اتنين بيحبوا بعض والكون مش سامح ان علاقتهم تكمل. الفن ببساطة هو محاولة الإنسان لتفسير وجوده، انه يحوّل فوضى الحياة لرموز وصور وألحان وكلمات. الفن هو التجربة الإنسانية نفسها، مُركزة جدًا متحوّلة لحاجة تلمس القلب قبل العقل.
وفي سن صغير لما بدأت أفسر الموضوع بالشكل ده كانت بتقابلني مشكلة واحدة؛ هي ليه التفسيرات بقت متكررة؟ ليه محاولات تفسير وجودنا كلها شبه بعض؟ ليه دايمًا فيه سقف وكأن الفن الي بدأ بمساحة واسعة جدًا بقى صندوق كبير فيه كل الفنانين فكل حاجة بقت شبه بعض؟
نفس القصص، نفس الوجوه، نفس الألحان، نفس الألوان نفس حتى ستايل المزيكا وكادرات التصوير؟
العودة للأصول
بعد الحرب العالمية الثانية، في الوقت الي معظم العالم كان فيه منهار، وكل حاجة مفككة ومشتتة، العالم اكتشف ان الفن مش بس وسيلة للترفيه، هو أداة قوة كمان لفرض السيطرة وسلاح ثقافي، والوقت ده كان أكتر أرض خصبة لفن “الكرتون”؛ فن خفيف، ملون، وأحيانًا بريء وبيدي فرصة للهروب من حقيقة الواقع الي بكل تأكيد مكانش حد حابب يعيش فيه.
أمريكا -كالعادة- استخدمته كسلاح للتمجيد في الجيش الأمريكي العظيم، والدعاية للقيم الأمريكية من خلال أفلام ديزني الي فيها بط بسهولة يقدر يوقع طيارة لأنه لابس زي الجيش الأمريكي والطيارة شنبها قصير مثلًا.
أوروبا غرقانة في إعادة إعمار وصدمة نفسية، ومش معاهم حتى حق الصابون، مكانش عندهم فرصة غير انهم يعملوا المعتاد، وبيتجهوا للفن المستقل، التجريدي الي بسبب عدم وحدتهم وقتها مكانش له فرصة أكبر في الظهور.
أما اليابان، في المقابل بعد ما خسروا كل حاجة كانوا محتاجين قوة ناعمة يتسندوا عليها، خلاص السلاح منفعش لازم يشوفوا هوية جديدة، وهنا عملوا بالظبط المكتوب في عنوان الفقرة؛ “العودة للأصول”.
اليابان من القران الـ 19 كانت برعت في فن “المانجا” كتب مصورة زي بتاعت الأمريكان بالظبط بس أنضج، دراما حياته عاطفية، فلسفة وجودية، صراع سياسي وعسكري، وحتى أعمال طفولية.
الفرق الحقيقي بين المانجا اليابانية والكرتون الياباني -بجانب المحتوى- كان الناس، في أمريكا كانوا شايفين ان الكتب المصورة موجهة للأطفال بس، في اليابان عادي جدًا شخص في الأربعين من عمره يصحى بدري يشتري عدد “Doraemon” ويناقش أحداثه مع أصحابه في الشغل.
ومن هنا، اليابان لقت طوق الإنقاذ لنفسها، وللفن كله الي سألنا في الأول احنا ليه بنحبه؟
الأنمي – Anime
بعد انتشار التلفزيون في اليابان، ووجود فن قائم بذاته زي المانجا وكل الناس بتحبه، مكانش ناقص أي حاجة عشان نشوف المانجا دي بتتحرك.
قصص متنوعة ومختلفة بكل التصنيفات + مجتمع معندوش أي حاجة يخسرها + اكتفاء ذاتي من الفنانين والمبدعين = الفن الحقيقي بدون أي قيود أو أي صناديق.
الأنمي مش مجرد “تحريك رسومات”، لكنه لغة بصرية متكاملة.
هو مزيج من:
- المانجا (القصة والرسوم الأصلية).
- السينما (إخراج، مونتاج، زوايا كاميرا).
- المسرح (الأداء الصوتي والدراما).
- الموسيقى (الـ OST والافتتاحيات والنهايات).
النتيجة = تجربة حسية فريدة تقدر تخاطب المشاهد من أكتر من مدخل، وكلهم بدون حدود.
الأسلوب البصري
- العيون مرآة الروح
- أول ما تشوف أنمي غالبًا هتلاقي شخصية عينيها كبيرة جدًا، ولو انت شوية عنصري ممكن تسأل يا ترى هم اليابانيين عيونهم صغيرة فبيعوضوا ولا ايه؟
لكن الموضوع مش كدا، العيون في المانجا من بدايتها كان الهدف منها هو التعبير عن مشاعر معقدة لكن بوضوح شديد جدًا، في الوقت الي كانت أمريكا فيه بتتعمد المبالغة في الكوميديا في حاجات زي Tom & Jerry كان اليابانيين مركزين ان أصغر تفصيلة تخليك تحس بحاجة
- الخلفيات المركزة.
- اليابانيين عندهم فلسفة (wabi-sabi) ومضمونها ان الجمال في الأشياء الصغيرة، الغير مكتملة، علشان كدا بيكون في تركيز كبير جدًا على الخلفيات لأنها بطل من أبطال القصة، فنجان قهوة ثابت على مكتب يستحق التركيز لأنه جزء من الحكاية.
- الحركة .. فن الحركة الثابتة.
- في اليابان كان أول اكتشاف لفن التحريك من غير ما نحرك الشخصية، مجرد تحريك عيون شخصية حتى والشخصية نفسها ثابتة كافي علشان ينقلك احساسه وتفهم هو بالظبط بيفكر في ايه.
السرد (الحكاية)
- الأنمي قادر يجمع كل الأنواع: أكشن، رعب، رومانسية، كوميديا، فلسفة، رياضة، موسيقى، سياسة.
- الأهم: مفيش حدود لعمر الجمهور.
- في أمريكا/أوروبا: “كرتون = أطفال”.
- في اليابان: “أنمي = للجميع”.
الموسيقى والأداء الصوتي
- الممثل الصوتي (Seiyuu) بطل أساسي. صوته بيصنع الشخصية زي الرسم تمامًا.
العمق الفلسفي
- Neon Genesis Evangelion: قناع روبوتات يخفي رحلة عن الاكتئاب والوحدة.
- Monster: تساؤل عن الشر: هل هو فينا ولا حوالينا؟
- Fullmetal Alchemist: فلسفة “المعادلة المكافئة”: مفيش مكسب بدون مقابل.
التنوع الغير محدود
أي قصة ممكنة بأي شكل ممكن تتقدم كأنمي، وممكن تتقدم حلوة كأنمي، وممكن تتقدم عظيمة كأنمي، لأن كل الاختيارات مفتوحة وده الي بيميز الأنمي عن الـ Live Action، في الوقت الي الأفلام والمسلسلات مقيدة بميزانية ضخمة لتقديم خيال مثلًا، الأنمي بيقدمه بأقل التكاليف. في الوقت الي سقف المنطق هيمنع الناس تتفرج على قصة بأبطال حقيقيين، الأنمي بيوفر كل المبالغات الممكنة علشان يقدم المتعة، المتعة وبس. في الوقت الي الـ Live Action ممكن يهتم بالبطل أكتر من القصة، الأنمي مفيهاش بطل مهم، البطل الوحيد هو الحكاية.
شباك التذاكر وأراء النقاد والملل من التكرار كل دي حاجات بتواجه الأعمال الواقعية أما الأنمي فهو بعيد عنها تمامًا ولو واجهها فمقاوتها أسهل بكتير في العالم المرسوم ده.
مؤخرًا؛ الأنمي مبقاش مجرد هواية فردية، في مؤتمرات وفعاليات وكوسبلاي لوفي في كل مكان، لو نزلت نيبال النهارده وقولت للناس The Godfather محدش هيهتم انت بتقول ايه، بس لو وقفت واحد في الشارع وقولتله One Piece! غالبًا هيضحك و ياخدك بالحضن -بس حاول متعملش ده مع حد لابس بدلة عسكرية-
احنا بنحب الأنمي علشان هو الشكل الخام للفن، هو طرق التعبير الي ملهاش نهاية عن المشاعر الي ملهاش شكل واضح تتجسد فيه، هو الصندوق الي هيفضل طول الوقت مفتوح منه للسما ومحدش هيقدر يقفله، لأن مستحيل يبقى فيه صندوق قادر يشيل شياطين واتنين بيحبوا بعض و Note بيتكتب فيها ناس فيموتوا وعمالقة وشاب بيحلم يبقى ملك في عالم القرصنة فيه هي العادي!
مفيش نجم شباك وجوده من عدمه ممكن يغير من قيمة المنتج النهائي، ومفيش قصص طول الوقت بيتم إعادة تدويرها بسبب إفلاس أو استسهال من الصُناع.
الي بيقول ان الأنمي كرتون، هو صح لأنه في الأساس كرتون، بس الي بيقول كدا بغرض التقليل من الفن ده، فهو زي الي بيقول على الموسيقى دوشة، والرسم شخبطة.
المشكلة مش في الفن، المشكلة ان عقله لسه مش مهيأ يستقبل الفن ده ويقدره، هو لسه في الصندوق و دلوقتي محدش حتى هيحاول يطلعه لأن ده مش مهم.
المهم ، لو حد قالك ان الأنمي كرتون قوله لأ، أنمي .. مانجا.

رهييب
عزيز رهيب فعلا