لا عجب أن عودة بناهي لإخراج أعماله سجلت تلقيات لطيفة من الجمهور خاصة بعد فوزه الإستثنائي بالسعفة الذهبية بمهرجان كان لعام 2025؛ مما جعل الأنظار ناحيته تتوجه أكثر ناحية فيلمه الذي ما أسرعت نيون في أن تكسب حقوق توزيعه بأمريكا الشمالية وسريعا ما إختارت فرنسا أن يكون هو ممثلها في سباق الأوسكارز القادم؛ مما يجعله أحد أقوى المرشحين للفوز بجائزة أفضل فيلم عالمي لاحقا…. وهذا كله كان مهما قوله للغاية ولكن كفيلم وراء مصاعب تصويره وخروجه هل يستحق كل هذا الثناء عليه أم لا.
في الحقيقة كانت تنالني الكثير من المخاوف في نفسي الشخصية عن ماهية الفيلم قبل مشاهدته أن تكون الهالة الإعلامية أقوى منه بكثير وليست مناسبة له بتاتا؛ ومع إفتتاح الفيلم تذهب المشاهدة إلى أسرة طبيعية تماما داخل سيارة لا تحمل أي غرائبيات في وجدانها حتى الأن ولكن مع أول بداية للأحداث الرئيسية يصطدم الأب وهو سائقا لسيارته بإحدى الكلاب المتواجدة على الطريق مما عطل خط سير رحيلهم للمنزل وأودى بهم للتوقف أمام إحدى المخازن التي يتواجد بها بطل القصة الحقيقية التي ستبدأ من عنده الحكاية فهو يرى شخصية الأب من بعيد بدون أن يجعله يراه ومنذ أول رؤية له يتضح أنه يتذكره بشكل ما وتلك التذكرة ليست كأي تذكرة أخرى بل هي تحمل في طياتها شيئ ما وغامض سنعرفه لاحقا بالطبع؛ فبأسلوب بناهي المعروف تماما في أخذ مواضيعه للنقاط التي تجسد أكبر الأوجه التي تمثل فساد الحكومة الإيرانية يبدأ تجسيد أوجه الفساد بطريقة مخفية الحال ولا يكشفها في النصف الأول من الفيلم فبعد تحويل الجاني إلى ضحية بأسباب لم يستطع بناهي في رسم خطوطها الأنسب في رأيي؛ فهو ذهب إلى موضوعه الخاص بشكل متسرع تماما ببداياته بدون توضيح الملامح التي تناسبه وسرعان ما يذهب لجميع ضحايا شخصية الأب الذي ظهر بما هو في رأي شخصيات الفيلم التي ستكمل معنا الرحلة لاحقا بوجهها الخاص حيث أن بناهي يعطي المشاهد حق الحكم في دوافعهم الخاصة ورؤيتهم لأفعالهم التي تحمل لاحقا الكثير من العجرفة ومختلف المشاعر العشوائية مما يجلس في غرفة محايدة الطبع لكي لا تترك نظرة واحدة على كل هذا.
فمع مرور الأحداث وجمع الشخصيات تظهر جودة كتابة الحوارات الموزعة على أبطال الفيلم فكل منهم له أفكاره وله ما حطمه وصنع الدافع ناحية هذا الشخص الذي يحاولوا بقدر الإمكان أن يتأكدوا سويا من انه هو الشخص الذي دمر حيواتهم الخاصة وصنع لهم صدمات ولكن مع صدور أحكامهم ورغباتهم الإنتقامية الحادة تتدخل إحدى المشاكل النفسية في تغيير تصرفاتهم.
وتلك كانت إحدى التحولات التي أعجبت بها بكل الطرق في سرد الأحداث مما يوضح أني ككل أعجبت بسيناريو العمل رغم عدم إعجابي ببضع التحويلات التي لم تصنع الفارق من كرهي وحبي للفيلم لاحقا ولكنها أنقصت القليل من تقديري له؛ وبشكل ما أعجبت بالأدائات التي تواجدت بالفيلم فككل كان الطاقم التمثيلي موفق على أجمل وجه في سرد إحباطاته ورغباته وكوابيسه من رؤية الشخص الذين جميعا يسردون الأحكام عليه…. هناك دائما خط فاصل بين الشيئين أحدهما دافع إنتقامي والأخر دافع متراجع ولكن مع الوصول للأحداث بعد أن قدم بناهي رأيه الخاص في كل ما يحدث هو يقول رأيه ولكن بأسلوب لم يكن مباشرا للغاية مما أحببته خاصة مع إسدال ستار نهاية الفيلم.
بناهي قدر على أن يصنع فيلما يسرد بها الأحكام في رأيه هو وفي رأي شخصياته وفي رأي الجمهور وهذا من أهم ما قدمه طوال سرده لأفكاره طوال مدة عرض الفيلم مما أعجب الكثير وأعجبني أنا كمشاهد؛ فلا يسعني إلا القول أن هذا فيلما مهما بوقته وبموضوعه وحساسيته الخاصة فكل هذا قدم عودة هامة لبناهي على منصات تتويج الإحتفاءات الأوروبية.
