رحلة بين السينما المصرية والعالمية وتجليات الهجرة في الفن

‏‏كُرِّم الفنان والممثل المصري خالد النبوي بجائزة فاتن حمامة للتميز في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي تقديرًا لمشواره السينمائي. والحقيقة أن خالد النبوي يُعد واحدًا من أكثر الفنانين المصريين حضورًا ثقافيًا الآن، ومعروف عنه شغفه الدائم بالقراءة والاطلاع، إضافة إلى اختلاطه بجيل من الفنانين الكبار الذين نشأ بينهم؛ وهو ما ساعده كثيرًا في تكوين بوصلته الفنية. ولم يُنكر خالد هذا الجميل، فامتلأ خطابه بالشكر والعرفان لأساتذته مثل يوسف شاهين وصلاح أبو سيف ومحمد عبد العزيز وغيرهم

‏كانت بداية خالد النبوي السينمائية مميزة للغاية، محليًا وعالميًا، فقد تعاون مع المخرج الكبير ريدلي سكوت في فيلم Kingdom of Heaven , وخاض تجارب مهمة تُعد نجاحًا لافتًا بالنسبة لممثل عربي بدأت رحلته في بلده. لكن هذه المسيرة اللامعة لم تخلُ من الاهتزازات
‏وفي رأيي الشخصي، يتحمّل خالد جزءًا كبيرًا من هذه الاهتزازات؛ فالمعروف عنه أنه شديد الحساسية فيما يتعلق بترتيب الأسماء على التترات، حتى في الأعمال الجماعية أو تلك التي يشاركه فيها نجوم كبار

في فيلم الديلر مثلًا، لم يُوضع اسمه ولا اسم أحمد السقا في مقدمة الفيلم. وفي مسلسل كلام على ورق اختار أن يظهر اسمه آخر اسمٍ في التتر، قائلًا إنه أراد أن يظهر كما يظهر نجم المسرح الذي يحيّي الجمهور في النهاية. كما أُشيع أنه حدث خلاف بينه وبين المنتج جمال العدل بخصوص ترتيب الأسماء في واحة الغروب

‏وتكرر الأمر بصورة أوضح في مسلسل لما كنا صغيرين بطولة ريهام حجاج؛ فبرغم أن القصة تتمحور حول بطلة العمل، أصر خالد على أن يوضع اسمه أولًا، ثم اسم محمود حميدة، ثم تأتي بطلة العمل بعدهما، اعتمادًا على معيار “التاريخ الفني” لا “محورية الدور”. هذه الخلافات جعلت فرص العمل المتوافقة مع شروطه الإنتاجية قليلة، فصار نادرًا أن تجتمع متطلباته مع جودة العمل، خصوصًا في السينما، بينما تظل الدراما التلفزيونية بالنسبة له بين إصابات وإخفاقات

خالد النبوي اليوم يمتلك خبرة واسعة تجعله يعرف أدواته جيدًا ومتطلبات كل دور، ويبذل الجهد المناسب أمام الكاميرا. ومع ذلك، تبقي قدراته الكامنة أكثر تميزًا وتفردًا مما يظهر أحيانًا

‏اختار مهرجان القاهرة السينمائي عرض فيلمين من أهم أفلام خالد النبوي: المهاجر ليوسف شاهين والمواطن ، في انعكاس واضح لمكانة خالد السينمائية؛ محليًا عبر أحد أبرز أفلام شاهين، وعالميًا كبطل لأحد الأفلام الأمريكية التي عُرضت في هوليوود.

‏خالد المهاجر
‏ربما يبدو الأمر مصادفة، لكني أعتقد أن اختيار هذين الفيلمين جاء بعناية شديدة؛ فالفيلمان يدوران حول فكرة الهجرة. فيلم المهاجر كما يوحي اسمه , يروي قصة هجرة رام إلى مصر طلبًا للعلم، بينما يحكي فيلم “المواطن” عن هجرة إبراهيم إلى الولايات المتحدة بحثًا عن “الحلم الأمريكي”. فيلمان يلتقيان في الفكرة العامة ويتباعدان في الوجهة، يختلفان في تفاصيل الرحلة ويتشابهان في جوهر الإنسان، في دوافعه، وفي بحثه الدائم عن مكان يجد فيه نفسه

المهاجر
‏ربما كان المهاجر واحدًا من أكثر أفلام يوسف شاهين فنية في بداية مسيرة خالد النبوي السينمائية، لكنه واجه هجومًا واسعًا وقتها. كان الجدل الأساسي يدور حول الاعتقاد بأن الفيلم يروي قصة سيدنا يوسف، وأن تجسيد الأنبياء على الشاشة محرّم شرعًا. أما من تجاوز هذه النقطة، فقد وجّه انتقاده لما اعتبره “تحريفًا” لقصة يوسف من جانب شاهين
‏لكن إذا أخذنا قصة سيدنا يوسف بمعزل عن قداستها وتعاملنا معها كبناء قصصي خالص، فسنفهم لماذا قيل في الكتاب العزيز: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص﴾. فحتى وفق ما توصّل إليه الإنسان بعلومه المحدودة في السرد والحكي فهي قصة متكاملة الأركان تحمل في داخلها كل عناصر الحكاية الكلاسيكيه

عنصر افلام الرحله: رحله سيدنا يوسف لم تكن سهلة أو مباشرة، كما أنها كانت رحلة داخليه عميقة مليئة بالصراع والألم

عنصر الخيانه: ‏واحدة من أقوى صور صراع الأشقاء في التاريخ؛ الخيانة هنا ليست حدثًا عابرًا بل المحرّك الأكثر ثباتًا لمسار السرد

:‏عنصر الغوايه: امرأة العزيز ليس مجرد إغراء تقليدي، بل مواجهة بين طرفٍ سلطوي وطرف لا يملك القوة الدنيوية لكنه شديد القوة في أخلاقه وثباته

عنصر صراع المحاكم: حتي إن لم يكن هناك محكمة بمعناها الحديث، فالبنية مكتملة: اتهامات، شهود، أدلة، أحكام اجتماعية، سلطة تُدين وسلطة تبرئ

‏عنصر دراما السجون و الصعود السياسي: وغيرها من العناصر التي يمكن لكل منها منفردًا أن يصبح قصة شديدة التفرّد

‏من هنا، لا يبدو تأثّر شاهين بقصة يوسف غريبًا؛ فهذه القصة أثّرت في علم السرد كله. ومع تجريد أغلب القصص المعروضة اليوم إلى عناصرها الأساسية، سنجد الكثير من تلك العناصر قائمة على جذور شبيهة
‏لكن الأهم أن شاهين لم يكن ساذجًا. كان مدركًا أن استخدام هذا الكم من العناصر في قصة واحدة سيجلب له الانتباه والاتهامات، لكنه كان آخر من يهتم. وفي اعتقادي الشخصي، هو لم يقدّم شخصية سيدنا يوسف فعليًا. رام ” بطل الفيلم ” لا يجيد تفسير الأحلام مثلًا، يعود لبلده في النهاية، وذهابه إلى مصر كان اختيارًا خالصًا ورغبة في تعلّم الزراعة لمساعدة قبيلته على الاستقرار… تفاصيل كثيرة تُبعده تمامًا عن يوسف، وتُقرّبه من رؤية شاهين الخاصة

‏أظن أن هدف شاهين كان إبراز الجوهر الأخلاقي لسيدنا يوسف في شخصية رام: القوة الداخلية، الوفاء، الصبر، والإخلاص، مع الحرية في صياغة أحداث القصة بشكل مستقل.. أراد استلهام “روح” القصة الكبرى ووضعها في إطار له تشابهات عامة، لكنه يختلف جذريًا في تفاصيله وعمقه

‏ورغم الهجوم الأولي، أصبح المهاجر علامة في تاريخ شاهين، ومحطة مفصلية في مسيرة خالد النبوي. فقد تحوّلت أعماله مع شاهين إلى بوابته نحو المحافل الدولية، ومنها شقّ طريقه إلى عالم الأضواء الهوليوودي

‏(The Citizen) فيلم المواطن

‏في فيلم يحكي خالد النبوي قصة إبراهيم جراح، المواطن اللبناني الذي سعى وراء “الحلم الأمريكي” بعد سنوات من التقلبات العنيفة في حياته؛ فقد عاش الحرب الأهلية في لبنان، ثم انتقل إلى الكويت التي شهدت هي الأخرى اضطرابات سياسية وأمنية. وخلال هذه الرحلة المضطربة فقد إبراهيم أباه وأمه، فكبر داخل دائرة من الخسارات المستمرة

‏يصادف وصوله إلى الولايات المتحدة وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو ما يضعه فورًا تحت المجهر. يتعرض إبراهيم لاعتقال بلا أدلة، واختفاء قسري، فقط لأنه عربي ويمتلك لون بشرة يراه البعض “مُريبًا”. لكن الفيلم لا يقف عند لحظة الظلم؛ بل يذهب إلى تأثير شخصية إبراهيم نفسها. فعلى الرغم من سعيه لتحقيق الحلم الأمريكي، ظل متمسكًا بجذوره العربية، ومخلصًا للقيم التي زرعها والده فيه
“ازرع البذور الصالحة دائمًا… فستعود إليك يومًا ما”

‏ورغم صعوبة الحياة في مدينة ضخمة مثل نيويورك، يغلب عليها الانغلاق واهتمام كل فرد بشؤونه وحده، حافظ إبراهيم على إنسانيته. ومع مرور الوقت نرى أن “البذور الصالحة” التي زرعها عبر مواقفه النبيلة مع من حوله أصبحت سببًا في أن تتحول قضيته للحصول على الجنسية الأمريكية إلى قضية رأي عام. تلك الوقفات الإنسانية هي التي صنعت شبكته الحقيقية من الداعمين، وكانت سببًا في حصوله على الجنسية في النهاية

‏الفيلم يكشف كذلك الوجه الآخر للمجتمع الأمريكي: العنصرية، الخوف من الآخر، سهولة الاتهام، والآثار النفسية الطويلة التي تتركها تلك التجارب. لكن إبراهيم رغم كل ما رآه يدرك أن الولايات المتحدة، بعيوبها ومزاياها، ما تزال المكان الأنسب لصناعة مستقبل، ولتأسيس عائلة آمنة؛ فهو لا يريد أن يعيش أولاده ما عاشه هو من يتمٍ وخسارات بسبب تقلبات منطقتنا التي لا تهدأ

‏يظل خالد النبوي واحدًا من أبرز الممثلين العرب، وأحد القلائل الذين تجتمع فيهم أدوات شديدة الندرة. لكن في رأيي الشخصي يظل السؤال قائمًا: إلى أي مدى كان يمكن أن يصل لو أدار مسيرته الفنية بشكلٍ مختلف؟ المؤكد أن أدواته كانت قادرة على أن تأخذه أبعد كثيرًا، سواء عالميًا أو محليًا. ومع ذلك، فهو لا يزال قادرًا على تقديم الكثير، والكثير جدًا، فقط إن أعاد ضبط بوصلته قليلًا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *