ممنوع من العرض عند المحافظين
مراجعة فيلم  ·  مصر ٢٠٢٦

كوميديا عبثية  ·  إخراج: خالد دياب

برشامة

تأليف: أحمد الزغبي وشيرين دياب وخالد دياب

صدر مارس ٢٠٢٦  ·  موسم عيد الفطر

بطولة هشام ماجد  ·  باسم سمرة  ·  ريهام عبد الغفور  ·  حاتم صلاح  ·  مصطفى غريب

ثمة أفلام تأتيك في وقت لا تتوقعها فيه، فتجلس أمامها وأنت تضحك، ثم تخرج منها وأنت تفكر. برشامة واحد من هذه الأفلام النادرة التي تجمع بين الإضحاك الصريح والذكاء الحاد، في تجربة سينمائية مصرية تستحق أن تُدرس لا أن تُشاهد فحسب.

الفيلم صدر في موسم عيد الفطر ٢٠٢٦ في موسم مكتظ بالمنافسة، غير أنه نجح في أن يشق طريقه بهدوء ثم بضجيج، لأن ما يقوله لا يُقال في الغالب، ولأن الطريقة التي يقوله بها تجعلك تستمتع قبل أن تستوعب.

الفكرة والبناء الدرامي
 

تدور أحداث الفيلم في إطار زمني ضيق للغاية، يوم واحد لا أكثر، داخل لجنة امتحان الثانوية العامة نظام المنازل، وتحديداً خلال امتحان اللغة العربية. هذا الاختيار ليس اعتباطياً، فاللغة العربية في الوعي المصري الشعبي لها رمزية خاصة، هي لغة الدين والهوية والتراث، وجعل الغش الجماعي يتمركز حولها تحديداً هو ضربة سينمائية ذكية من الكاتبين أحمد الزغبي وشيرين دياب. الكتابة محكمة البناء، شخصياتها نماذج بشرية حقيقية ومعقدة، كل منها يمثل شريحة اجتماعية موجودة في الواقع المصري بكل تناقضاتها وادعاءاتها وهشاشتها.

المخرج خالد دياب أثبت أنه يفهم الفرق بين الكوميديا السطحية التي تضحك للحظة ثم تُنسى، والكوميديا العبثية الذكية التي تضحكك وتبقى معك. الإيقاع في برشامة سريع ومحسوب، لا يوجد مشهد زائد.

الأداء التمثيلي
 

هشام ماجد يقدم هنا واحداً من أفضل أدواره على الإطلاق. يلعب دور الشخصية الريفية المتشددة التي تُنغص حياة كل من حولها بادعاءاتها وتطفلها ومحاولاتها المستمرة لفرض حضورها الأخلاقي على الجميع. هذا الدور يمكن أن يسقط بسهولة في الكاريكاتورية المبالغة، لكن هشام ماجد يضبطه بدقة متناهية، يجعلك تكرهه وتضحك منه في اللحظة ذاتها، وهذا هو قمة ما يمكن أن يفعله ممثل كوميدي حقيقي.

حاتم صلاح لديه قدرة نادرة على الحضور الهادئ الذي يملأ الشاشة دون ضجيج، ومشاهده تحمل ثقلاً درامياً يجعلك تشعر أنك أمام ممثل يعرف ما يفعله في كل لحظة. ريهام عبد الغفور مريحة على الشاشة بطريقة مش كل ممثلة تقدر عليها، حضورها بيملأ المشهد من غير ما تحس. ومصطفى غريب يكمل المشهد ببراعة.

حين يهاجم المحافظون فيلماً فهذا يعني أنه أصاب هدفه
 
لماذا يغضبون؟

برشامة فيلم جريء لأنه يختار هدفاً محدداً ويصوّب نحوه دون تردد. هذا الهدف هو النموذج الريفي المتشدد، ذلك الشخص الذي يتشح بالتدين ويتكلم بلغة الفضيلة ويحفظ الآيات والأحاديث، ثم تجده في النهاية يغش ويكذب ويتلاعب دون أن يرى في ذلك تناقضاً طالما أن مظهره محتشم ولسانه ذاكر.

الفيلم لا يهاجم الدين بأي شكل من الأشكال، بل هو يفضح الادعاء، ويضع المرآة أمام النفاق الاجتماعي الذي يتخفى خلف الشعائر. الفيلم لم يجرح مشاعر المتدينين الحقيقيين، بل جرح مشاعر المنتفعين من التدين، وهذا الفرق جوهري. حين يهاجم المحافظون عملاً فنياً بهذه الضراوة فهذا في الغالب دليل على أنه أصاب هدفه تماماً.

الحكم النهائي

برشامة ليس مجرد فيلم كوميدي ناجح. هو وثيقة اجتماعية مضحكة ومؤلمة في آن، وهو تذكير بأن السينما المصرية حين تجرؤ على قول الحقيقة تكون في أفضل حالاتها.

مصر تحتاج أفلاماً كهذه بالتحديد. تفرجوا عليه.