ثنائية الأخوين سافدي التي ظهرت بقوة في أخر عشر سنوات ما صنعت أعمالا برزت شخصياتهم هم الإثنين سويا بأشكال خاصة لأفكارهم وطرق تطبيقها الذي جلب الأنظار لهم وجعل جمهور السينما العالمي ما ينتظر كل أعمالهم سوياً، ولكن بشكل صادم انفصل الإخوان عن بعضهم لرغبات لم تظهر ماهيتها في وسائل الإعلام ولكن السبب الأقرب للجميع ان الاثنان يريدان خلق أعمالهم بمفردهم… والأن جوش سافدي يصنع فيلما داخل عالم الرياضة والبطولات الذهنية فكيف فعل بمفرده بدون أخاه؟
(بطل من صمود)
يعود جوش سافدي بالزمن من وقت خمسينيات القرن الماضي في نيويورك بالذهاب سريعا على بطل فيلمه ‘مارتي’ الذي يظهر عليه الحياة الطبيعية بروتين لا يوجد به أي حركة أو إثارة فهو مجرد عامل بمتجر أحذية يتعامل فقط مع مجموعة من السيدات المتسلطات احيانا لجلب ما يريدونه في أقدامهم، حتى الأن لا يوجد أي شيء مثير في حياة بطل الفيلم الذي يجسده الفنان الشاب ‘تيموثيه شالاميه’ ولكن سرعان ما تظهر أول لمحات الإثارة في حياة ‘مارتي’ مثلما كان الأخوان سافدي يبدأن في سرد شخصياتهم الرئيسية حيث أن في سينما السافديز لا يوجد وقت للتمهيد الكثير بل دائما ما كانوا يعشقون أن يسردوا كل شئ عندهم في سرعة عالية بدون تباطؤ مطلق، وبالفعل ما تستكمل كتابة الفيلم في أن تقول كل شئ عن مارتي بدون لحظة بطء خاصة، ومع إنتهاء التمهيد السريع نذهب لرؤية ما يحمس مارتي دائما ويجعله يحب أن يكون متعطشا لمتابعة كل شئ أمامه لأن تصبح في غاية التكامل فسر ما يعجب ويحمس مارتي دائما وفي كل وقت هي رياضة تنس الطاولة التي تجعله يشعر بالفوز في كل وقت وكل مكان فهو بالنسبة له ضرب كرة بلاستيكية ليس مجرد وسيلة تعبير عن الفوز بها بل هي عبارة عن إرسال أحلامه وإستقبال ردود أفعال على كل مواجهاته، تلك هي عقلية ‘مارتي’ التي تمثل له الرغبة في العيش دائما طالما هو يمارس تلك الرياضة مهما كلفه الأمر.
(صدامات لصنع المجد)
يذهب جوش سافدي للأمام بنفسه استكمالا لرحلة ‘مارتي’ معه فبعد أن رأينا سويا ما يوجد داخل عقله وكيف هو يفكر ويتعامل مع كل لحظات حياته حان وقت متابعة تطبيق تلك الأفكار التي يملكها بداخله في رياضته المفضلة أمام الجميع لإثبات ذاته فهو ليس مجرد شخص يريد تحقيق المال والشهرة من تنس الطاولة بل هو راغب حقيقي في رؤية مثابراته النفسية تتحول لانتصارات فعلية على أرض الواقع، يستعمل جوش سافدي صورته المظلمة القاسية بوجود تحركات كثيرة داخل كل مشهد وهذا يحدث لرغبته الخاصة في عدم إعطاء جميع متابعي فيلمه شعور الراحة المثالي ولكن مع أول مشاهد المواجهات الرياضية التي تخص ‘مارتي’ بنفسه أسلوب التصوير يصبح شيء أخر بأسلوب غير تقليدي فهو يجسد لحظات الإنتصار اللحظي مع تواجد الإحباطات التي تلازم ‘مارتي’ كثيرة ولكن لا تكمن المتعة في تصوير مشاهد المباريات هنا فحسب بل جوش سافدي استطاع بشكل ما أن يُخرج من تيموثيه شالاميه قدراته التمثيلية المرعبة في تجسيد روح المبارزة وعقلية الفائز في كل لقطة تأتي عليه أثناء مبارزته… جوش قدر على أن يأتي بشعور السرعة والحماس المصحوب بالإزعاجات النفسية التي لازمت ‘مارتي’ وكل من حوله، فبالفعل هو بطل مثابر في نفسه وبنفس الوقت هو شخص متناقض في الكثير من أموره ولا يشعر بالذنب ناحية أفعاله نحو تحقيق مبارياته النفسية والمادية الخاصة ولا يخاف من ردود الأفعال ناحيته.
(بداية خلق مارتي سوبريم)
كل تلك التمهيدات أوصلتنا إلى النقطة الفاصلة المتحدثة عن ما سيمر به ‘مارتي’ بكل لحظاته السعيدة والمأساوية، حيث أن مع نهاية أول مسابقات “مارتي” الرسمية يذهب بنا إلى ظهور شخصية “كاي ستون” التي تجسدها غوينيث بالترو التي تمثل إحدى أبرز الشخصيات المحورية داخل الفيلم، فهي إحدى تلك الشخصيات التي ستبرز أهم أمال “مارتي” في الوصول للمجد الشخصي حيث أنه بألاعيب مارتي نفسه استطاع أن يأخذ منها ما يريده حقا ولكن التعنت الموصول بكل أنواع الغرور الذي يصاحب “مارتي” دائما ما يحطم تلك الأمال ويفقدها له أمام الكل وفي نظر الجميع، فمن وقت لآخر ما يكشف جوش سافدي عن مفاهيم شخصيته الرئيسية للفيلم… هل هو بطل من ورق أم موهوب ذو غرور عنيد أم هو مجرد رياضي ساذج يظن أن موهبته فقط هي ما توصله لرغباته الخاصة، كل ما يحدث لمارتي هو إيضاح من جوش لكيفية تواجد بطل جاء من الظلام الدامس تماما حتى تم تسليط كل الأضواء عليه ولكن هذا يحدث بكل أنواع المصاعب التي قد يتلقاها شخص مثل “مارتي سوبريم”، تستمر الأحداث المجنونة التي تواجه “مارتي” شيئ فشيئ عقبة بعدها عقبة وتدخل له جميع أنواع الفرص التي تكاد تحمل أمال ولكن مع كل قرار يأخذه مارتي ما ينتهي ما حققه بشكل عشوائي يحمل جميع أنواع الجنون بشكل خاص، هذا ما برع فيه جوش طوال صنع فيلمه بكل هذا الجنون وكل تلك تراكمات الأحداث التي يواجهها أبطال أفلامه الذي برع في صنعها مع أخيه حتى وصلوا لصنع ملاحم معاصرة عن شخصيات تائهة في الأرض قراراتها معظمها خاطئة ولكن في لحظة تكون إحدى تلك القرارات ما تصيب في المكان الصحيح، فبالفعل في إحدى المشاهد التي مرت على بطل الفيلم ما قد كان قراره صاب في النقطة التي أصلحت كل شيئ له ولكن سلسلة المتاعب لم تنتهي هنا فمارتي سيواجه نتائج أفعاله الماضية فمع كل عقبة صنعها بنفسه يتلقى هنا لاحقا نتيجته من الجهة الأخرى ولو تأخر الرد.
فمع صعود وهبوط الآمال التي تراود مارتي ما يواجه حياته الشخصية المثيرة للإهتمام والمليئة بالكثير والكثير من المصاعب التي زاحمت أحلامه فالأن هو لا يريد إلا التخلص منها تماما.
(إتجاه لإصلاح كل شيء)
يبدأ مارتي في رؤية نفسه بالمرأة ومواجهة كل ما صنعه لخلق طموحات جديدة بدماء أخرى متعطشة لصنع كل شيئ ولكن هذا بالطبع ليس سهلا على الإطلاق حيث أنه في وقت معين سيختار عنصر أن يتم إهانته بشكل واضح ومباشر ردا على عنصريته التي كان يستعملها في الوصول لرغباته ومنذ تلك اللحظة كل هذا سينتهي مع البدء في التركيز على تصحيح الأخطاء أكثر من جلبها مرة أخرى، هناك تلك الصورة التي ميزت جودة الفيلم من دقة تصميمها وجودة رسمها على الأحداث كلها حتى رسمها على الشخصيات المحيطة جميعا نتيجة اختيارات جوش للإضاءات التي تعكس شكل كل فعل وكل حدث خاص فهذا حدث أيضا مع قوة جودة التحرير النهائي للفيلم الذي ألم كل لقطة بحماستها وهدوئها المميز داخل مدة عرضه في كل مشهد فكل لقطة تم تحريرها من كان جالسا لصياغتها قادرا على توجيه كل لقطة بما يميزها وخروجها بهذا الشكل الذي ميز الفيلم عن أي عمل آخر في فئته ولو من قريب، وايضا لا تنسى جودة الموسيقى التي جلبت كل تلك المشاعر أثناء لحظات الحركة الكثيرة ولحظات الصمت حتى ظهرت بتطبيقها المميز والفعال لعمل الفيلم.
والأن مع إقتراب مارتي للوصول لما أراده يواجه شخصه أولا وماضيه ثانيا بشتى الطرق وداخل المستطيل الأزرق الذي مكنه من يتواجد بهيئة البطل مع مشهد النهاية كأن كل شيئ إنتهى ولكن مارتي يعلم جيدا أن هذا ليس صحيحا بالنهاية…. مارتي موزر من جسده الفنان الشاب المميز تيموثيه شالاميه الذي برع تماما في جلب حماس وانفعالات شخصيته التي لعبها بكل تلك المرونة وكل تلك الخبرة وبالطبع تطبيقها على جسده من تحركات وأفعال غير إستثنائية لشخص مثل هذا.
فيلم “مارتي سوبريم” هو تجسيد فعال عن متاعب الرياضة وتحقيق الإنجازات بمختلف الطرق المحتالة والمصاحبة بجلب الإهانات الخاصة والغير معتادة بتاتا بوجود شخصية حصلت على كل هذا مثل “مارتي موزر”.
