هناك كتّاب يصفون العالم. وهناك كتّاب يفهمونه. ووحيد حامد كان من النوع الثاني النادر — الذي يفهم العالم قبل أن يفهم نفسه، ويكتب م سيحدث قبل أن يحدث، ويضع يده على جرح المجتمع المصري بدقة لا يملكها سياسي ولا عالم اجتماع. رحل في مطلع يناير ٢٠٢١ عن ٧٦ عاماً، وترك وراءه أكثر من ثمانين عملاً تمتد عبر خمسة عقود، بعضها أصبح جزءاً من ذاكرة الأمة.
لو كان وحيد حامد أمريكياً، لكان اسمه في كل مهرجان كبير. لو كان فرنسياً، لدرسوه في الجامعات. لكنه كان مصرياً، ابن قرية بني قريش في الشرقية، جاء إلى القاهرة عام ١٩٦٣ بلا شيء سوى عقل متقد وشهية لا تشبع للقراءة والمسرح والسينما — وهذا كان يكفي.
البداية: من الشرقية إلى القاهرة
ولد وحيد حامد في الأول من يوليو ١٩٤٤ في قرية بني قريش، مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية. جاء إلى القاهرة لدراسة الأدب في قسم الاجتماع، لكنه كان يتعلم في مكان آخر أيضاً — في المكتبات والمسارح ودور السينما، مطلعاً على كل ما تقع عليه يده من كتب أدبية وفكرية وفلسفية.
بدأ بكتابة القصة القصيرة والمسرح، وأصدر مجموعته الأولى تحت عنوان ‘القمر يقتل عاشقه’. تتلمذ على يد كبار الأدباء المصريين: نجيب محفوظ وعبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس. وكان إدريس تحديداً هو من نصحه بالتحول إلى الكتابة للسينما والتلفزيون — نصيحة غيرت مسار السينما المصرية كلها.
انتقل بعدها إلى الكتابة للإذاعة المصرية، ثم إلى التلفزيون، ثم إلى السينما. وفي كل وسيط دخله، ترك بصمة لا تمحى. لم يكن كاتباً عاماً يكتب لأي جهة وفق ما تطلب — كان يكتب ما يريد هو أن يقوله، ثم يجد من يصنعه معه.
أسلوبه: العسل في العسل
ما يميز وحيد حامد عن سواه ليس فقط جودة كتابته، بل ذكاؤه السياسي الحاد. كان يعيش في مجتمع يضيق هامش الحرية فيه ويتسع بحسب المزاج والعصر، لكنه وجد دائماً طريقة يقول فيها ما يريد دون أن يصطدم مصطدماً مباشراً يوقف مسيرته. وصفه المخرج عمرو سلامة بأنه ‘عرف يدس العسل في العسل’ — يمرر أفكاراً في غاية الجرأة في غلاف من الترفيه الشعبي.
وصفه الناقد طارق الشناوي بأنه ‘فلاح مصر الفصيح’ — قادر على تحويل أي موقف إلى قصة رامية، يقرأ الواقع بعين من يعيش فيه ويفهمه من الداخل. لم يكن يكتب عن مصر من بعيد، بل كان يكتب من وسطها، من أحيائها الشعبية وحواريها ومصالح بيروقراطيتها وفساد نخبها وبراءة فقرائها.
وما يثير الدهشة حقاً هو ما أشار إليه سلامة: أن وحيد حامد كان ‘عنده بصيرة وتوقعات في أفلامه لم يتوقعها سياسي أو عالم اجتماع أو حتى عالم فلك، وتحققت في الواقع كأنه كان راجع من المستقبل وشافها هناك’. رجل كتب عن الإرهاب قبل أن يصبح الإرهاب ظاهرة. كتب عن الفساد قبل أن تتفاقم أوجاعه. كتب عن تفكك المجتمع قبل أن يعترف المجتمع بذلك.
الأعمال الكبرى: تاريخ أمة في سيناريوهات
مسيرة وحيد حامد في السينما والدراما طويلة وعريضة لا تحصر في فقرة، لكن ثمة أعمال بات اسمها مرادفاً لاسمه. ‘البريء’ (١٩٨٦) مع المخرج عاطف الطيب، فيلم عن ضابط شرطة يكتشف أن المنظومة التي ينتمي إليها هي نفسها مصدر الفساد — لم تكن مجرد قصة، بل كانت سؤالاً فلسفياً عن الطاعة والضمير. ‘الراقصة والسياسي’ الذي جمعه بالمخرج شريف عرفة. ‘طيور الظلام’. ‘إضحك الصورة تطلع حلوة’.
ثم مسلسل ‘الجماعة’ الذي يُعد من أكثر أعمال الدراما المصرية جرأة وعمقاً — تناول فيه نشأة جماعة الإخوان المسلمين وفكرها بطريقة درامية دقيقة غير مسبوقة، وحاز عنه جائزة أحسن سيناريو من مهرجان القاهرة للإعلام العربي. وقد وضعته هذه الجرأة في مرمى من لا يتهاونون — فوضعته جماعات متطرفة على قوائم استهداف، وكتب المخرج عمرو سلامة أن ‘جماعات إرهابية حطاه على قوائم اغتيالات ومستهدفينه أكثر من قيادات في الدولة من كثر ما أفكاره كانت أقوى من السلاح’.
شراكته مع عادل إمام كانت من أبرز الثنائيات في تاريخ السينما المصرية — أعطى وحيد حامد الوجه الآخر للممثل المعروف بأدواره الكوميدية، وأظهر فيه أبعاداً إنسانية وسياسية كانت مخبأة. وتعاون كذلك مع نجمات من أمثال سعاد حسني وميرفت أمين ومديحة كامل.
كان أيضاً منتجاً لأفلام مهمة، واختار وجوهاً جديدة آمن بها قبل أن يؤمن بها أحد. وأشرف على ورشة السيناريو في المعهد العالي للسينما لأربع سنوات، مما يعني أن تأثيره لم يتوقف عند أعماله بل امتد إلى الجيل التالي من كتّاب السيناريو المصريين.
الإرث: ما تركه وراءه
في عام ٢٠١٢ حصل وحيد حامد على جائزة النيل في الفنون — أعلى جائزة تمنحها الدولة المصرية. وفي ٢٠٢٠، وقبل رحيله بأشهر قليلة، كُرّم في الدورة الثانية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومُنح جائزة الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر — التقدير الذي جاء متأخراً بعقود على ما كان يستحقه، لكنه جاء.
رحل في الثاني من يناير ٢٠٢١، بعد أيام قليلة من دخوله المستشفى إثر أزمة صحية. أعلن رحيله ابنه المخرج السينمائي مروان حامد — الذي يحمل بدوره إرث أبيه في صناعة السينما المصرية ولا يزال أمامه تاريخ طويل.
خلف وحيد حامد أكثر من ثمانين عملاً في السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة. رقم لا يعني فقط الغزارة بل التنوع والعمق والاتساق — ثمانون عملاً لا تشبه بعضها، كل واحد منها يحمل بصمة صاحبه وسؤاله الخاص عن مصر والإنسان المصري.
قال عنه بشير الديك، أحد أقرب الكتّاب إليه: ‘أفضل شيء فيه كان أنه دائم السمع وليس الطاعة — كان يسمع كل شيء، ويتعاطى بما يتجاوب مع داخله.’ وهذا تحديداً ما جعله مختلفاً. لم يكتب لإرضاء منتج أو نجم أو سلطة أو جمهور — كتب لأن بداخله شيئاً يريد أن يُقال. وعلى مدى خمسة عقود، قاله بكل الطرق الممكنة، وترك وراءه ما لا يُنسى.
وحيد حامد | ١ يوليو ١٩٤٤ — ٢ يناير ٢٠٢١ | واحد من أعظم كتّاب السيناريو في تاريخ السينما العربية
