دائمًا ما شغلت الجرائم مساحة واسعة في الأعمال الأدبية والسينمائية، وتم تناولها بأشكال متعددة؛ فظهرت أحيانًا في إطار بوليسي قائم على التحقيق والمطاردة، وأحيانًا أخرى بدوافع كالانتقام أو غيره من الأغراض. لكن نادرًا ما كان التركيز على العقاب نفسه: هل العقاب حتمي دائمًا؟ وهل إذا نجا الجاني من عقاب القانون، يستطيع أن ينجو من عقاب ضميره؟

هذا التساؤل حاول العديد من الأدباء وصنّاع السينما طرحه عبر عصور مختلفة. وفي هذا المقال، نتناول ثلاثة أعمال تنتمي إلى عصور وتجارب فنية متباينة: مكبث لشكسبير، والجريمة والعقاب لدوستويفسكي، وفيلم Match Point لوودي آلن؛ حيث يطرح كل عمل هذا السؤال من زاويته الخاصة، ويقدّم رؤيته المختلفة لطبيعة الجريمة والعقاب.

شكسبير

مكبث
العقاب القدري الحتمي

دوستويفسكي

الجريمة والعقاب
الضمير سجن لا مفر منه

وودي آلن

Match Point
العدالة عشوائية وغير مضمونة

الجريمة: حين تتعدد الدوافع وتتحد النتيجة

فبين مكبث، حيث أثارت الساحرات بذور الطموح داخله وأخبرنه بأنه سيصير ملكًا، فيزلزل هذا الطموح قواعد الخير بداخله، ولم يكن يحتاج إلا إلى عاصفة واحدة من الليدي مكبث لتقتلع ما تبقّى من جذور الخير؛ إذ كانت ترى أن مكبث شديد الطموح، لكنه لا يسعى إليه إلا بأطهر الطرق.

“الدم لا يجلب إلا دمًا”
— مكبث، ويليام شكسبير

غير أن نفس مكبث كانت ضعيفة؛ فبمجرد هبوب رياح الشر من الليدي مكبث، أقدم على فعلته وقتل الملك. ولم يحتج بعدها إلى زعابيب أخرى منها ليستمر في طريقه، إذ رأى أن قدمه قد غرست في الوحل، وأنه ما دام قد قبل النزول إلى هذا المستنقع، فعليه أن يستمر وفق قوانينه ليحمي نفسه.

أما راسكولينكوف، فقد قدّم دوستويفسكي تحليلًا عميقًا لشخصيته، مستغلًا ما تتيحه الرواية من مساحة للسرد والتفكيك النفسي، ليمنحنا قراءة مبهرة لبنية هذه الشخصية التي هيّأها لتكون بيئة شديدة الخصوبة لمناقشة أفكاره الفلسفية وطرح تساؤلاته.

فراسكولينكوف شاب شديد الفقر، لم يُكمل تعليمه بسبب ظروفه المادية، بينما تُقدم أخته على الزواج من رجل غني سيّئ، فقط لتساعده على استكمال دراسته. بدا كل شيء مهيأً لأن يقنع نفسه بأن هذه الأسباب كافية للإقدام على جريمته؛ بالتخلص من امرأة متسلطة سيئة السمعة. لكن الحقيقة أنه لم يرتكب فعلته لأيٍّ من هذه الأسباب، بل لأنه كان يرى نفسه متفردًا — من طينة نابليون — يحق له أن يقرر من يعيش ومن يُستغنى عنه.

أما كريس في فيلم Match Point لوودي آلن، فربما كانت خطيئته الأولى بدافع الشهوة؛ إذ كانت خيانته لزوجته هي البداية، تلك الخطيئة التي ما إن بدأت تُلقي بظلالها، حتى واجه تبعاتها بجريمة أخرى بدافع الجبن: الخوف من أن يخسر كل ما وصل إليه من مكانة اجتماعية.

دائرة الذنب: الضمير يطارد الجاني

في مكبث، بدأ العقاب فوريًا من الداخل، من ضميره نفسه؛ إذ بمجرد انتهائه من قتل الملك، لم يستطع مكبث أن يقتل الحراس ليُحكم إخفاء الجريمة. ومنذ لحظة قتل بانكو، بدأ شبحه يطارده؛ فجسّد ضميره هذا الشبح كجلّاد يعذّبه ويقوده بعذاب داخلي متصاعد إلى الجنون والهذيان، حتى أفسد حفل تتويجه ملكًا.

أما دائرة الذنب عند راسكولينكوف فكانت مختلفة؛ إذ إن من يرى نفسه متفردًا إلى هذا الحد عن بيئته المحيطة، لن تكون آراؤها ذات أهمية كبيرة لديه. وهذا ما أوقعه في مصيدة داخل عقله — يسعى إلى التعاطف لكنه لا يستطيع قبوله، لأنه في جوهره لا يحترم من يمنحه إياه.

أما كريس في فيلم وودي آلن، فقد أوضح العمل تأثره بمن سبقوه؛ إذ يرد ذكر دوستويفسكي على لسان أحد الشخصيات، بل إن كريس نفسه يقرأ رواية الجريمة والعقاب في أحد مشاهد الفيلم. ومع ذلك، لم تكن دائرة العذاب لديه مطروحة بهذا العمق التحليلي؛ إذ اكتفى وودي آلن بظهور الشخصيات التي قُتلت في هيئة أشباح — إشارة إلى معاناة نفسية عابرة لا أكثر.

العقاب: من الضمير إلى القدر ومن الحتمية إلى العشوائية

أراد شكسبير أن يكون عقاب مكبث عقابًا قدريًا؛ فلا فرصة للنجاة من الجرم الذي ارتكبه. ظل مكبث حتى اللحظة الأخيرة رافضًا الاستسلام، ممسكًا بسيفه، مؤمنًا بأنه لن يُقتل إلا على يد رجلٍ لم تلده امرأة. غير أنه في النهاية انكشف خداع النبوءة، وسقط أمام قدره المحتوم.

أما دوستويفسكي، فقد ناقش فكرة فلسفية يمكن ربطها بما عُرف بالنفعية (Utilitarianism)، وهي أن الفعل الصحيح هو ما يحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. هذه هي الطريقة التي فكّر بها راسكولينكوف، لكن عقابه كان شديدًا — سجنه العقلي والضميري ظلّا ينهشان فيه، حتى وجد أمامه خيارين: إما الهلاك أو الاعتراف. وكان اعترافه لسونيا بداية طريقه نحو الخلاص، وتنتهي الرواية بإدراكه أنه إنسان عادي، لا يتمتع بذلك التفرد الذي توهّمه.

أما كريس في Match Point، فقد توقّف العقاب عند حدود تأنيب الضمير وصور الأشباح التي كانت تظهر له. ومع ذلك، استطاع الإفلات من قبضة القانون، ولم يُرغمه ضميره على الاعتراف، ليظل العقاب هنا ناقصًا، أو مؤجلًا، أو ربما غائبًا بالكامل.

العدالة عبر الزمن: بين النظام والضمير والصدفة

شكسبير
مكبث
لا مفر من الجريمة سوى العقاب الحتمي بأقصى صورة ممكنة. العدل يعود دائمًا إلى العالم.

دوستويفسكي
الجريمة والعقاب
حتى إذا أفلت الجاني من القانون، فإن ضميره ونفسه سيقودانه إلى عذاب لا يُحتمل. الغفران ممكن لكنه يستلزم الاعتراف.

وودي آلن
Match Point
العدالة عشوائية وغير مضمونة. قد يفلت الجاني، وتجاوزه لعذاب الضمير مرهون بطبيعته الإنسانية وقدرته على تحمّل العبء.

فهل يظل العدل حتميًا كما رآه شكسبير، أم أن الضمير وحده كافٍ للعقاب كما آمن دوستويفسكي، أم أن العالم قد يكون أكثر عشوائية وقسوة مما نتصور؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *